SOURCEجريدة الرأي الأردنية

استمع إلى نشرة الاخبار

الأعلى متابعة


أعلى الفيديوهات مشاهدة


استمع إلى الخبر




حمام الأميرات.. السفر للوراء لألفي عام

حمام الأميرات.. السفر للوراء لألفي عام
كتب - حيدر المجالي

في نقطة ما من شارع قريش بوسط عمان يستوقفنا معلم تاريخي، يُسافر بنا للوراء ألفي سنة، فنتجاهل ضجيج المدينة وصخبها، ونتجاوز عن أصوات الباعة وأبواق السيارات؛ لندخل في عالم جديد، ما تزال آثاره ماثلة للعيان حتى اليوم، وهو ما يُطلق عليه (سبيل الحوريات) أو (حمام الأميرات)؛ ذلك أنه يتربع على حافة نهر عمّان القديمة.

إنه أحد الأبنية التاريخية الذي يعود بناؤه للعصر الروماني، فهو يعكس الحاضرة الثقافية والعمرانية الفريدة في ذلك العصر، الذي يُمثل حلف مدن (الديكابوليس) وهو اتحاد لعشر مدن رومانية في بلاد الشام معظمها يقع حاليا في الأردن.

المعلم الذي أُهمل فترات طويلة، ثم أُعيد التفكير بتأهيله وترميمه بمنحة أميركية، يُعد من نقاط الجذب السياحي في المملكة؛ خاصة وأنه يقع وسط العاصمة، التي يفضّلها السيّاح للإطلاع على المباني والأسواق القديمة، قبل أن تأخذ في التوسع والتمدد لتصبح بهذا الشكل المذهل.

بناء كانت له أهميته الثقافية والترفيهية والحضارية في الحاضرة الرومانية قبل ألفي سنة، لكنه بقي شاهداً على التقدم الكبير لحضارة أبدعت في فنون البناء والزخرفة والتطور، لتعكس هيبة الدولة حينذاك؛ فقليل من التأمل الصامت في أعمدة البناء الحجرية، ولوحاته وزخارفه، ومدرجاته؛ يحملنا لعالم جميل.

فتخيُّل منظر الأميرات الجميلات بأثوابهن الحريرية الزاهية، وتيجانهن وحُليّهن وهن يتهادين نحو حمامهن العريق، وسط حاشية مهيبة وبالقرب منهن نهر جارٍ، تحفه أشجار الصنوبر والبلوط؛ يُدخل البهجة والسرور والإعجاب للزائر؛ فتلك لوحة جميلة جمعت بين الحضارة والطبيعة الخلّابة.

لم يكن البناء الوحيد الذي يُبرز العراقة الرومانية في عمان القديمة، التي إتخذت عدة تسميات منها: ربّة عمون، وفيلادلفيا، فقد إرتبط بمدرجها الكبير /مسرح (الأوديون) الذي يسمى (المدرج الروماني) وجبل القلعة؛ فسبيل الحوريات من التحف المعمارية الفريدة الذي يضم ثلاث حنايا، وضعت عليها طاقات نصف دائرية رُتبت في صفين يعلو أحدها الآخر.

أيضاً في الحمام هياكل ضخمة وتماثيل لم يتم هيكلتها بعد؛ وفيما يذكر المؤرخون، فإن الواجهة الداخلية لسبيل الحوريات كانت مغطاة بألواح من الرخام، بينما حوض السباحة كان واسعاً ويمتد على طول البناء وبعمق 26 قدماً، وفوق حوض السباحة أقيمت الحمامات والنوافير، والأعمدة التي يبلغ ارتفاعها عشرة أمتار.

ثمة جهود على المستويين الرسمي والأهلي والهيئات لتجويد وتحسين سبيل الحوريات؛ فقد دعمت السفارة الأميركية بالتعاون مع مركز حمدي منكو للبحوث العلمية في الجامعة الأردنية، إنشاء متنزّه سبيل الحوريات الأثري، بمنحة من صندوق السفراء للحفاظ على التراث الثقافي التابع للسفارة ب (275) ألف دولار، حيث تم افتتاحه رسميا للجمهور والسائحين.

المكان يشي بالراحة والهدوء والسكينة في ذلك العصر، لكنه اليوم من أبرز الأماكن تلوثاً ضوضائياً، فهو من المواقع التي تحتاج التأمل ملياً، والعودة لحقبة زمنية عمرها أكثر من ألفي عام؛ في حين أن ما يُعكر صفو الموقع، أصوات مزعجة لأبواق السيارات، والباعة، ومحال بيع أسطوانات الكاسيت.

رغم الجهود التي تبذل لتحسين بيئة المكان، إلا أنها ما تزال متواضعة، فالموقع عُرضة للتخريب وتحويله لمكرهة صحية، قد تشوه العراقة والجمالية لحمام الأميرات، الذي يضم بركا متعددة تعد أيقونة عمّانية تحتاج العناية والرعاية المستمرة.

سيبقى المكان خالداً بتفاصيله المذهلة، وسيظل البناء شامخاً يحكي عراقة الرومان وتقدمهم؛ كما يعكس الروح الجمالية لهواة الطبيعة، وسط ضجيج عكّر عليها صفوها.. لكن روعة التصميم وعبقرية الفن تجذبنا لنتأمل أجمل حمام شهد ثقافة غابرة!!

لقراءة الخبر كاملاً من مصدره